متى يكون تسييل الذهب قرارًا حكيمًا… ومتى يتحول إلى تفريط؟
في كل دورة صعود أو هبوط تمر بها أسواق الذهب، يعود سؤال واحد إلى الواجهة لدى حائزي السبائك: متى يكون التسييل قرارًا حكيمًا، ومتى يتحول إلى تفريط؟
فالذهب، بخلاف غيره من الأصول، لا يُقتنى فقط بحثًا عن الربح، بل بوصفه مخزنًا للقيمة ووسيلة تحوّط ضد التقلبات النقدية والاقتصادية. وبين من ينظر إليه كأصل طويل الأجل لا يُمسّ، ومن يتعامل معه كأداة استثمارية تخضع لحسابات الدخول والخروج، تتعدد الفلسفات وتختلف التوصيات.
ويبقى التحدي الحقيقي ليس في توقيت البيع بحد ذاته، بل في التمييز بين التسييل القائم على منهج وتحليل، وذلك المدفوع بردود الفعل والانفعال.
إلى تفاصيل مشهد أمس وسؤال الساعة لجمهور المتداولين ومجتمع المستثمرين:
سجّل الذهب مستوى قياسيًا غير مسبوق عند 5600 دولار للأوقية، قبل أن يتراجع بنحو 500 دولار إلى حدود 5000 دولار، في حركة أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا متجددًا:
هل ما نشهده جني أرباح صحي ضمن مسار صاعد طويل الأجل؟ أم بداية مرحلة تسييل أوسع تستدعي الحذر، خاصة من حملة السبائك؟
فلسفة مدارس التحليل ولغة الاحتمالات
أولًا: مدرسة التحليل الفني – «التصحيح ليس انعكاسًا»
وفق المدرسة الكلاسيكية للتحليل الفني، فإن الهبوط من 5600 إلى 5000 دولار يندرج ضمن ما يُعرف بالتصحيح السعري الطبيعي بعد موجة صعود حادة ومتسارعة. فقد حقق الذهب ارتفاعات شبه عمودية خلال فترة زمنية قصيرة، ما دفع المؤشرات الفنية (RSI – Stochastic) إلى مناطق تشبع شرائي تاريخية.
كما أن مستويات 5600 دولار تمثل منطقة مقاومة نفسية وفنية، وعادة ما تشهد عندها الأسواق عمليات جني أرباح مؤسسية، فضلًا عن كون نطاق 5000 – 4900 دولار يُنظر إليه كمنطقة دعم فني أولى ونفسية. وطالما حافظ السعر على هذه المستويات، يبقى الاتجاه العام صاعدًا.
لذا فإن المنطق الفني يقول: ما لم يكسر الذهب مستويات دعم رئيسية على الأطر الزمنية الكبرى، فإن التراجع يُعد إعادة توازن وليس نهاية الاتجاه.
ثانيًا: مدرسة التحليل السلوكي – «الخوف بعد الطمع»
الصعود القياسي الأخير، الذي يرى كثيرون أنه بلا مبرر مهما كانت أخبار الحروب في الشرق الأوسط أو فنزويلا أو كوبا أو استمرار حرب روسيا وأوكرانيا أو حتى الرسوم الجمركية، ولّد حالة شهيرة في أسواق المال تُعرف بـ FOMO (الخوف من فوات الفرصة).
دفعت هذه الحالة مستثمرين متأخرين للدخول قرب القمم، ومع أول هبوط قوي تحوّل الطمع إلى خوف، وبدأت عمليات بيع دفاعية. ووفق هذه المدرسة، لا يتخذ المستثمر طويل الأجل قراراته عند القمم أو القيعان، بل خلال مناطق التذبذب بعد الصدمة.
وعليه، فإن جني الأرباح من قبل من اشترى مبكرًا لا يعني فقدان الثقة في الذهب، بل إعادة توزيع الملكية من الأيدي الضعيفة إلى الأيدي القوية.
ثالثًا: المدرسة النقدية والاقتصاد الكلي – الذهب ما زال «أصل التحوط في زمن اللايقين»
من منظور الاقتصاد الكلي، يبقى الذهب مدعومًا بعوامل هيكلية، أهمها استمرار عدم اليقين النقدي عالميًا، واتساع فجوة الديون السيادية، وتوقعات خفض الفائدة الحقيقية أو بقائها قرب الصفر في عدد من الاقتصادات الكبرى.
كما تواصل البنوك المركزية، خاصة في الأسواق الناشئة، تعزيز احتياطياتها الذهبية كتحوط استراتيجي. ووفق هذه المدرسة، فإن الهبوط الأخير لا يغيّر من حقيقة أن الذهب أصل تحوّطي في مواجهة فقدان الثقة بالعملات الورقية، وليس مجرد أداة مضاربة قصيرة الأجل.
رابعًا: مدرسة إدارة المخاطر – «التسييل الجزئي لا الخروج الكامل»
مدارس إدارة المحافظ لا تنظر إلى السؤال بصيغة «بيع أم شراء»، بل بصيغة إدارة وزن الأصل داخل المحفظة.
فمن حقق أرباحًا كبيرة قرب 5600 دولار قد يلجأ إلى تسييل جزئي لإعادة التوازن وتقليل الانكشاف، بينما يفضّل حائزو السبائك الاحتفاظ بجزء من المراكز، ما يعكس قناعة بالاتجاه طويل الأجل.
كما أن معاودة الشراء غالبًا لا تتم دفعة واحدة، بل عبر الشراء المتدرج عند مناطق الدعم.
خامسًا: السيناريو الأخطر
يبقى السيناريو الأخطر هو أن يكون الهبوط من أعلى قمة تاريخية عند 5600 دولار بداية اتجاه هابط قوي، قد تدعمه تصريحات محتملة بوقف الحرب الروسية – الأوكرانية.
وفي هذا السيناريو، قد يستهدف الهبوط مستوى 4500 دولار بوصفه دعمًا فنيًا على إطار الأربع ساعات.
خلاصة المشهد
ليس كل بيع تشاؤمًا، وليس كل احتفاظ تفاؤلًا مفرطًا، بل هو قرار محسوب وفق نسبة المخاطر المقبولة لكل مستثمر.
فالهبوط من 5600 إلى 5000 دولار لا يُفسَّر كرسالة نهاية، بل كفصل طبيعي في مسار أصل شديد الحساسية للتوقعات والسيولة والمشاعر.
المضارب قصير الأجل يرى في الحركة فرصة، والمستثمر طويل الأجل يراها اختبارًا للثقة، فيما تنظر المؤسسات إليها كمرحلة إعادة تموضع لا أكثر.