ماذا لو اضطررت للاختيار بين أمان الذهب وجنون أرباح الفضة؟

ماذا لو اضطررت للاختيار بين أمان الذهب وجنون أرباح الفضة؟

التاريخ 2026-02-16 14:20:06
المصدر: CNN الاقتصادية

في عام 2024، كان المستثمرون يتجهون نحو الذهب هرباً من التضخم وتقلبات الأسواق الجيوسياسية، ومع مرور عامين فقط، تغيرت خريطة المعادن الثمينة بشكل جذري، فالذهب واصل تسجيل قمم تاريخية مدعوماً بمشتريات البنوك المركزية، بينما تحولت الفضة من «معدن للزينة» إلى عنصر استراتيجي حيوي في الاقتصاد الرقمي.
السؤال لم يعد مجرد مقارنة الأسعار، بل أصبح: ماذا لو كان الرهان الحقيقي في مكان آخر؟

الذهب.. ملاذ نقدي في عالم مضطرب

وفق تقارير مجلس الذهب العالمي، واصلت البنوك المركزية خلال 2025 تعزيز احتياطياتها من الذهب، في توجه يعكس سعي الدول لتعزيز سيادتها النقدية وتقليل الاعتماد على العملات الورقية.

وفي 2026، يُعامل الذهب كـ«عملة بلا بنك مركزي»، لا يُستهلك، لا يتآكل، ويُخزن بسهولة، وهذه الخصائص تجعله أصلاً دفاعياً بامتياز، مثالياً لمن يبحث عن استقرار الثروة والحماية من الأزمات.

لكن طبيعته غير الصناعية تجعل وتيرة نموه السعري أبطأ مقارنة بالمعادن المرتبطة بالنشاط الاقتصادي، ما يحول الذهب إلى استثمار دفاعي أكثر من كونه أداة لتحقيق أرباح سريعة.

غير أن جاذبية الذهب لا تنفصل عن السياسة النقدية، فارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية يزيد من كلفة الاحتفاظ بأصل لا يدر عائداً، بينما يؤدي خفض الفائدة أو ضعف الدولار إلى تعزيز جاذبيته.
لذلك يبقى الذهب استثماراً دفاعياً بامتياز، يتفوق في أوقات الأزمات أو الركود، لكنه لا يقود عادة موجات النمو الاقتصادي القوي.

الفضة.. معدن الدورة الاقتصادية

على النقيض، تدخل الفضة عام 2026 من بوابة الصناعة، إذ يوضح تقرير معهد الفضة واستطلاع سوق الفضة العالمي لعام 2026، استمرار العجز الهيكلي في المعروض للعام السادس على التوالي، مع تصاعد الطلب الصناعي من قطاعات الألواح الشمسية، وأشباه الموصلات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

هذا، وتصف تحليلات «جيه بي مورغان» الفضة اليوم بأنها «معدن حرج» في سلاسل الإمداد المستقبلية، مع توسع مشاريع الطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، إذ تُستهلك الفضة فعلياً داخل الأجهزة، ما يجعلها أصلاً يعتمد على نمو الصناعة والتكنولوجيا، لكنه معرض لتقلبات كبيرة في حال ركود النشاط الاقتصادي.

نسبة الذهب إلى الفضة.. إشارة مبكرة

يتابع المستثمرون عن كثب ما يُعرف بـ«نسبة الذهب إلى الفضة» (Gold-to-Silver Ratio)، والتي تقيس عدد أونصات الفضة اللازمة لشراء أونصة ذهب واحدة.

وخلال 2024 كانت النسبة عند مستويات مرتفعة تاريخياً، لكنها بدأت تضيق مع تسارع الطلب الصناعي على الفضة، ما يُشير إلى إعادة تقييم المعدن الأبيض مقارنة بالذهب، ويعطي مؤشرات على أداء نسبي أقوى للفضة في الأسواق المستقبلية.

وتاريخياً، تتحرك الفضة بوتيرة أعلى من الذهب في الاتجاهين، ففي فترات الانتعاش الصناعي، تحقق مكاسب نسبية أكبر، بينما تهبط بقوة في الأزمات.
هذا السلوك يجعلها أشبه بمؤشر على شهية المخاطرة العالمية، في حين يبقى الذهب مؤشراً على مستوى القلق في الأسواق.

الفخ الذي يجهله الكثيرون.. الذهب يخلد والفضة تتبخر

في الوقت الذي يُعاد فيه تدوير كل غرام ذهب استُخرج منذ فجر التاريخ، نحن اليوم نستهلك الفضة بطريقة «انتحارية».

كل غرام ذهب استُخرج تقريباً لا يزال موجوداً في صورة ما، إذ يُعاد صهره وتدويره باستمرار بمعدل يقترب من الكمال، لكن الفضة تواجه معضلة مختلفة تماماً، فهي تُستخدم بكميات ضئيلة داخل ملايين الأجهزة الإلكترونية والألواح الشمسية والوصلات الدقيقة، ما يجعل استعادتها من النفايات الإلكترونية مكلفة ومعقدة.

نحن نعيش في عالم يمتلك «مخزوناً أبدياً» من الذهب، لكنه يستنزف «رصيده المحدود» من الفضة في محرقة التكنولوجيا، وهنا يبرز سؤلاً شائكاً: هل نصل يوماً يصبح فيه الحصول على أونصة فضة أصعب من الحصول على الذهب؟

ثلاثة سيناريوهات تحدد الفائز.. ماذا تقول بنوك الاستثمار؟

تشير توقعات بنوك الاستثمار والمؤسسات المالية الكبرى إلى أن الأداء النسبي للذهب والفضة في عام 2026 يعتمد على المسار الذي سيسلكه الاقتصاد العالمي، وليس مجرد مقارنة سعرية بين المعدنين.

ففي تقرير نشره موقع BankyGate عن توقعات بنوك الاستثمار، تتجه توقعات الذهب إلى مستويات قياسية قد تتراوح بين نحو 5500 دولار وحتى نحو 6300 دولار للأوقية بحلول نهاية العام، بدعم من مشتريات البنوك المركزية واستمرار الطلب العالمي على الملاذات الآمنة، وفق توقعات دويتشه بنك وجيه بي مورغان، وبيانات مجمعة للبنوك الكبرى.

في السيناريو الأول الذي يتمثل في دخول الاقتصاد العالمي في ركود حاد نتيجة تشديد نقدي أو أزمات مالية، فإن الذهب قد يستفيد بقوة باعتباره الأصل الدفاعي المفضل، وقد تدعم هذه البيئة ارتفاع الأسعار نحو مستويات عليا إذا استمرت المخاطر الجيوسياسية.

أما في السيناريو الثاني الذي يقوم على تسارع النمو الصناعي والتحول نحو الاقتصاد الأخضر، فتأتي الفضة في موقع قوي، خاصة مع توقعات استمرار العجز الهيكلي في المعروض خلال عام 2026، كما ذكر معهد الفضة في تقرير حديث أن الطلب على الفضة قد يظل قويًا مدفوعًا بارتفاع الاستثمار الفعلي حتى مع تراجع بعض الاستخدامات الصناعية التقليدية.

وفي سيناريو ثالث يجمع بين تضخم أعلى ونمو اقتصادي ضعيف نسبياً، يرى محللون البنوك أن كلا المعدنين قد يستفيدان، لكن الذهب سيظل الأكثر استقراراً كأداة تحوط ضد تآكل القوة الشرائية، بينما تبقى الفضة أكثر تقلباً نظراً لارتباطها الوثيق بالدورة الاقتصادية.

في هذا الإطار، ترى بعض التوقعات أن نطاق أسعار الفضة في 2026 يمكن أن يظل مدعوماً من الطلب على الاستثمار رغم التحديات الصناعية، ما يجعلها تكمل أداء الذهب داخل محافظ المستثمرين.

أي مستثمر ترى في المرآة؟

مع دخولنا 2026، لم يعد اختيار الذهب أو الفضة مجرد مقارنة بين الأسعار، بل انعكاساً لعقلية المستثمر نفسه ونظرته إلى المستقبل.

يمثل الذهب عقلية الحفاظ على الثروة، إذ يوفر الاستقرار والتحوط ضد الأزمات وتقلبات الأسواق، ويُعتبر الملاذ الآمن الذي يحمي القيمة على المدى الطويل، حتى في أوقات الركود والتضخم.

بينما تعكس الفضة عقلية مراكمة الثروة من خلال الرهان على المستقبل الصناعي والتكنولوجي، فهي أداة للاستفادة من النمو في قطاعات الطاقة النظيفة، الألواح الشمسية، وأشباه الموصلات، وما يتيحه التحول الرقمي من طلب صناعي متزايد.

والمعادن لا تتصارع، بل تتكامل داخل محفظة متوازنة، إذ يحقق الذهب استقراراً طويل الأمد، وتمنح الفضة فرصاً لتحقيق مكاسب أعلى على المدى المتوسط، رغم تقلباتها.

وفي 2026، لم يعد النقاش حول أيهما أكثر بريقاً أو جاذبية، بل حول أيهما يعكس الاقتصاد القادم، أيهما يمثل القوة الدافعة للنمو المستدام، وأي استراتيجية استثمارية توفر للمستثمر مزيجاً ذكياً من الأمان والعائد، ما يجعل القرار في النهاية انعكاساً لرؤيته الشخصية لمستقبل المال والصناعة.

حمل تطبيق eDahab

ابق على اطلاع بآخر أسعار الذهب والعملات على جهازك المحمول.

Download eDahab from play store Download eDahab from app store