الركود
يمثل الركود الاقتصادي كابوساً للحكومات وأسواق المال
يمثل الركود الاقتصادي كابوساً للحكومات وأسواق المال، إذ يتسبب في تباطؤ النمو أو انكماش الناتج المحلي الإجمالي لعدة فصول متتالية، ما ينعكس مباشرة على مختلف القطاعات، ففي هذه المرحلة تنخفض مستويات الاستهلاك والاستثمار نتيجة تراجع ثقة المستهلكين والشركات، وتلجأ المؤسسات إلى تقليص الإنتاج وخفض التكاليف، الأمر الذي يؤدي غالباً إلى ارتفاع معدلات البطالة وتراجع الدخول، فما هو الركود؟ وما هي أنواعه؟ ولماذا هو كابوس للحكومات والمؤسسات المالية؟
ما هو الركود؟
يُعد الركود التضخمي (Stagflation) أسوأ سيناريو قد يتعرض له اقتصاد الدولة، فهو مزيج بين ركود النمو الاقتصادي وارتفاع في معدلات البطالة يواكبه ارتفاع في معدلات التضخم، وتستعرض سي إن إن الاقتصادية المفاهيم الاقتصادية الثلاثة وتأثيرها على اقتصادات الدول.
الركود الاقتصادي (Recession)
رغم أنه لا يوجد تعريف رسمي معترف به عالمياً للركود، فإنه في عام 1974 عرّفه الخبير الاقتصادي الأميركي، جوليوس شيسكين (Julius Shiskin)، بأنه تراجع حاد في الناتج المحلي الإجمالي للدولة على مدار فصلين متتاليين، وهو التعريف الذي اعتمدته العديد من البلدان.
وعرّف المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية (NBER) بالولايات المتحدة، الركود الاقتصادي بأنه انخفاض كبير في النشاط الاقتصادي ينتشر في جميع القطاعات ويستمر لأكثر من بضعة أشهر، وتظهر نتائجه في الإنتاج والتوظيف والدخل الحقيقي ومؤشرات أخرى، وفق تقرير نشره المنتدى الاقتصادي العالمي.
ما هو الركود التضخمي؟
الركود التضخمي (Stagflation) هو مزيج بين الركود الاقتصادي والتضخم، فهو غلاء في أسعار السلع والخدمات يصاحبه تباطؤ شديد في النمو الاقتصادي وارتفاع في معدلات البطالة.
كان خبراء الاقتصاد في القرن السابع عشر يعتقدون استحالة حدوث سيناريو الركود التضخمي؛ لأنه وفقاً للنظريات الاقتصادية فإن العلاقة العكسية بين الطرفين؛ ففي حالة ارتفاع مؤشر الركود ينخفض مُعدّل التضخم؛ لأنه في حالة الركود يكون المعروض من السلع والخدمات كبيراً والطلب عليهما منخفضاً جراء ضعف الأجور ومعدلات التوظيف، وعليه تتراجع الأسعار، لكن الواقع أثبت عكس ذلك.
وعلى مدار نصف قرن مضى كان كل ركود مُعلن بالولايات المتحدة يصاحبه تضخم في أسعار المستهلك، وهو ما جعل سيناريو الركود التضخمي كابوساً مؤرقاً بالنسبة لصانعي السياسات النقدية؛ وذلك لصعوبة علاجه.
تاريخ الركود التضخمي
كان السياسي البريطاني إيان ماكلويد (Iain Macleod) هو أول من استخدم مفهوم الركود التضخمي أثناء خطاب ألقاه أمام مجلس العموم عام 1965، قائلاً "الآن نواجه أسوأ ما في العالمين؛ ليس التضخم من جهة أو الركود من جهة أخرى فحسب، بل كلاهما معاً، نحن لدينا نوع من حالة الركود التضخمي"، ويذكر أن ماكلويد كان وزيراً للخزانة البريطانية عام 1970 واستمرت فترة ولايته لمدة تزيد قليلاً على الشهر.
وخلال السبعينيات في الولايات المتحدة، تسببت أزمة النفط في انكماش الناتج المحلي الإجمالي الأميركي ليصاب بعد أول ربعين متتاليين بحالة ركود تضخمي، ثم بعد مرور خمسة أرباع سنوية متتالية تحوَّل من ركود تضخمي إلى كساد؛ حيث عانت أميركا ركوداً اقتصادياً واسع النطاق، كما تضاعف التضخم في عام 1973 بأميركا وبلغ رقماً مزدوجاً في عام 1974.
شهدت الولايات المتحدة بين عامي 1965 و1982 أول ركود تضخمي على الإطلاق استمر لمدة 17 عاماً، حيث وصل التضخم لأكثر من 12% وبلغت البطالة أكثر من 7% في عام 1974، وكان هذا معروفاً باسم التضخم الكبير.
ثمة 3 أسباب رئيسية وراء التضخم الكبير الذي أصاب الولايات المتحدة منذ 1965، أولاً السياسات المالية والنقدية المضطربة، ثانياً الصدمات النفطية عامي 1973 و1979، وثالثاً الافتقار إلى القيود على معدلات التضخم، جميعها أدت إلى فقدان بنك الاحتياطي الفيدرالي مصداقيته لدى الشعب.
10 مؤشرات لحدوث الركود التضخمي
- ارتفاع أسعار السلع والخدمات وضعف القوة الشرائية للعملة المحلية، وهو ما يعرف بالتضخم.
- تراجع الناتج المحلي الإجمالي (GDP) لفصلين متتاليين، لتدخل البلاد في مرحلة الركود الاقتصادي.
- قفزة في معدلات البطالة وانخفاض الأجور؛ وعليه تتراجع القوى الشرائية.
- تراجع ثقة المستثمرين في الاقتصاد، فينخفض الاستثمار وعليه يتراجع النمو الاقتصادي.
- تراجع ثقة المستهلك في جودة السلع والخدمات، التي تعاني من تضخم في الأسعار.
- عادة ما يصاحب ارتفاع التضخم، زيادات في أسعار الفائدة على الإيداع والاقتراض، في محاولة من البنوك المركزية لسحب السيولة المالية من الأسواق وتوجيهها للسلع الاستراتيجية الأساسية فقط، وهذا مؤشر على قرب حدوث ركود تضخمي؛ نظراً لتوافر السلع والخدمات، ولكن بأسعار مرتفعة وتحول الطلب عنها إلى الاستثمار في أدوات الدين مثل السندات وشهادات الاستثمار ذات العائد المرتفع.
- انخفاض في القيم السوقية لأسهم أغلب الشركات، تأثراً بتراجع أرباحها، وضعف الاستثمار في ظل الفائدة المرتفعة على القروض.
- ارتفاع في مخزون السلع بناء على ضعف الطلب.
- هبوط في أحجام التصدير؛ نظراً لارتفاع قيمة المُنتج وفقدانه لمعايير التنافسية العالمية.
- ارتفاع الواردات في ظل ضعف التصنيع واختفاء المنتج المحلي، بعدما تحولت الاستثمارات من التصنيع إلى أسواق الدين ذات العائد المرتفع.
ما هي خطورة الركود التضخمي؟
الركود التضخمي بمثابة شلل نصفي وربما تام لجميع مفاصل الاقتصاد لفترة طويلة، حيث تعاني الدولة من ضعف في معدلات الإنتاج وانخفاض في الواردات والصادرات وغلاء في الأسعار ونقص في معدلات الوظائف يقابله زيادة في تسريح الموظفين، كل ذلك يسفر عن تراجع حاد في النمو الاقتصادي والناتج المحلي الإجمالي للدولة.
كيف يتم علاج الركود التضخمي؟
عادة ما يكون علاج الركود التضخمي طويل المدى، ويعتمد على استراتيجية مركبة تعتمد على 3 محاور، الأول هو علاج التضخم من خلال رفع معدلات الفائدة وسحب السيولة المالية من السوق، لتوجيه الطلب إلى السلع الرئيسية فقط دون السلع والخدمات الترفيهية أو غير الضرورية، والمحور الثاني يبدأ مع بداية تراجع معدلات التضخم حيث يقرر واضعوا السياسات النقدية بدء فترة التيسير النقدي من خلال خفض أسعار الفائدة؛ وعليه تبدأ الشركات في الاقتراض والاستثمار والإنتاج، أما المحور الثالث فيمكن تنفيذه عندما تتحسن مؤشرات الوظائف والأجور هنا تبدأ الحكومة في تشديد الرقابة على جودة وتسعير السلع والخدمات لضمان توفيرها بأسعار عادلة تسمح للمنتج المحلي بالمنافسة، كما أن بعض الدول تفرض رسوم إغراق على السلع المستوردة لتشجيع المنتج المحلي، وعليه تبدأ الأسعار في التراجع، حينها يتلاشى الركود التضخمي حتى إن استمر التضخم في معدلات مرتفعة نسبياً.
ومن أشهر أمثلة الدول التي تعاني من الركود التضخمي حالياً هي روسيا التي تعاني من ركود سنوي بلغ نحو 8% الأسبوع الماضي، يصاحبه تضخماً في أسعار السلع والخدمات جراء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها عقب حربها ضد أوكرانيا.