هل يواجه العالم صدمة نفطية جديدة؟.. حرب إيران تنذر بتداعيات اقتصادية كبرى
تصعيد عسكري يهدد الأسواق العالمية ويثير مخاوف صدمة نفطية جديدة في 2026
التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يطلق صافرة إنذار للأسواق العالمية، فالخطر لا يقتصر على السياسة أو الأمن الإقليمي، بل يمتد مباشرة إلى جيوب المستهلكين والأسواق المالية وأسعار الطاقة.
مع مرور 20% من النفط العالمي عبر مضيق هرمز، وأرقام تاريخية تظهر كيف يمكن للصراعات أن تدفع النفط للارتفاع مئات بالمئة خلال أشهر، تتساءل الأسواق والمستثمرون اليوم: هل نحن على أعتاب صدمة نفطية جديدة تهز الاقتصاد العالمي وتعيد كتابة قواعد الأسواق في 2026؟
النفط عبر التاريخ.. دروس من أزمات سابقة
تاريخ أسواق النفط يظهر كيف يمكن للصراعات السياسية والجيوسياسية أن تُحدث صدمات هائلة في الأسعار العالمية، أبرز الأمثلة التاريخية تعكس حجم التأثير المحتمل لأي تصعيد عسكري في منطقة حساسة مثل الشرق الأوسط.
حرب أكتوبر 1973
عقب حرب أكتوبر وحظر النفط العربي على الدول الداعمة لإسرائيل، شهدت أسواق النفط أول صدمة حقيقية في العصر الحديث، ارتفعت الأسعار من نحو 2.9 دولار للبرميل إلى أكثر من 11 دولاراً خلال أشهر قليلة، أي بنسبة تزيد على 300%، ما أحدث صدمة اقتصادية شملت كل الدول المستوردة للطاقة وأدى إلى موجة تضخم عالمية.
غزو العراق للكويت 1990
بعد غزو العراق للكويت، تأثرت أسواق النفط مباشرة، وارتفعت الأسعار بنسبة نحو 130% خلال ثلاثة أشهر فقط، هذا الارتفاع السريع جاء نتيجة القلق من توقف إمدادات النفط من الخليج، وهو درس يوضح حساسية الأسواق لأي تهديد للممرات النفطية الحيوية.
الحرب الروسية–الأوكرانية 2022
مع بدء العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا وفرض العقوبات الغربية على موسكو، ارتفع خام برنت بنسبة 8% ليصل إلى نحو 116 دولاراً للبرميل، هذه القفزة كانت بمثابة تذكير بأن أي نزاع مسلح يطال دولة منتجة للنفط يمكن أن يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسواق العالمية.
الهجوم الإسرائيلي على إيران يونيو 2025
في يونيو 2025، دفع هجوم إسرائيلي على أهداف إيرانية النفط للارتفاع بأكثر من 5% في جلسة واحدة فقط، نتيجة المخاوف من اضطراب الإمدادات ومن التهديد المباشر لمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، أي تهديد مستقبلي لإيران أو مضيق هرمز قد يؤدي فوراً إلى تسعير «علاوة مخاطر» حادة.
وذكر بنك باركليز أن أسعار خام برنت يمكن أن تصل إلى نحو 80 دولاراً للبرميل إذا أدت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران إلى عطل كبير في الإمدادات، مشيراً إلى أن السوق أصبحت أضيق وهي معرضة لصدمات أكبر مع زيادة الطلب وانخفاض الاحتياطات، وفقاً لرويترز.
فيما قال محللون لرويترز إن الضربة الأميركية–الإسرائيلية على إيران أثارت تقلبات ملحوظة في الأسواق المالية، وإن استمرار الصراع قد يدفع أسعار النفط للاقتراب من 100 دولار للبرميل، مع ارتفاع الطلب على الأصول الآمنة مثل الذهب والسندات، بينما تواجه الأسهم والتداولات ضغوطاً.
وقال فيشنو فاراثان، رئيس قسم أبحاث الاقتصاد الكلي، آسيا باستثناء اليابان، ميزوهو، سنغافورة: قد يكون استمرار حالة من الهجمات وعدم الاستقرار الإقليمي أمراً طبيعياً، تماشياً مع تحذير إيران، ومن المرجح أن تبقى أسعار النفط مرتفعة نظراً لأن الإنتاج والمرور لا يزالان عرضة للهجمات والاضطرابات، وقد تتعرض منظمة أوبك لضغوط لزيادة الإنتاج في محاولة للتعويض، لكن علاوة سعرية تتراوح بين 10 و25% على النفط ليست مستبعدة، حتى بدون حصار مضيق هرمز، الذي يُعدّ حدثاً ينطوي على مخاطرة رفع الأسعار بنسبة 50%.
الذهب والدولار: الملاذات الآمنة
مع تصاعد التوترات العسكرية، يبحث المستثمرون عادةً عن الملاذات الآمنة للحفاظ على رأس المال، الذهب؛ كونه مخزون قيمة تقليدياً، يسجل قفزات سريعة، بينما يرتفع الدولار الأميركي نتيجة التدفقات المالية إلى الأصول الأكثر أماناً. في الوقت نفسه، تشهد السندات الأميركية طلباً متزايداً من المستثمرين الباحثين عن الاستقرار وسط ضبابية الأسواق.
الأسهم العالمية تحت الضغط
الأسواق المالية غالباً ما تعكس مخاوف المستثمرين مباشرة بعد التصعيد العسكري، عادةً ما تتراجع مؤشرات الأسهم العالمية في الأيام الأولى، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والأسواق الناشئة الأكثر حساسية للتقلبات الاقتصادية. بالمقابل، غالباً ما ترتفع أسهم الطاقة والدفاع نتيجة توقعات الطلب المتزايد على موارد الطاقة والحاجة إلى تجهيزات أمنية إضافية.
الخطر الأكبر: عودة التضخم
أي ارتفاع مستمر في أسعار النفط لا يقتصر أثره على المحروقات فقط، بل يمتد ليشمل زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما يضغط على الأسعار ويزيد معدلات التضخم. هذا يجعل مهمة الفيدرالي الأميركي والبنوك المركزية أكثر صعوبة عند اتخاذ قرارات بشأن أسعار الفائدة، إذ يتعين عليهم الموازنة بين دعم النمو والسيطرة على التضخم في آن واحد.
المنطقة أمام اختبار اقتصادي صعب
التوترات في الشرق الأوسط تؤثر بشكل مباشر على الدول المحيطة أيضاً. ارتفاع تكاليف التأمين البحري والشحن، وتقلب أسعار العملات المحلية والإقليمية، واحتمالات خروج الاستثمارات قصيرة الأجل، كلها عوامل تزيد من المخاطر الاقتصادية. أي استمرار للتصعيد قد يؤدي إلى موجة من اضطراب الأسواق الإقليمية والعالمية على حد سواء.
إذا تحول التصعيد العسكري إلى مواجهة طويلة أو توسع إقليمياً، فقد تكون الأسواق العالمية أمام اضطراب طاقي واسع النطاق يعيد رسم خريطة الأسعار والاقتصاد في 2026.
السؤال المطروح الآن: هل ستظل الأزمة محدودة، أم تتحول إلى صدمة اقتصادية عالمية جديدة تعيد اختبار مرونة الأسواق العالمية؟