سوق "شبكة" الذهب في مصر تعيد تشكيل نفسها لتلبية المقبلين على الزواج

سوق "شبكة" الذهب في مصر تعيد تشكيل نفسها لتلبية المقبلين على الزواج

التاريخ 2026-02-09 18:09:04
المصدر: الشرق مع بلومبيرج

الذهب في مصر… من زينة الفرح إلى معضلة مالية للشباب

تحوّل الذهب في مصر من زينة تُقتنى ورمزٍ "للفرح" إلى معضلة مالية تقضّ مضجع الشباب المقبلين على الزواج، بعدما تصاعدت أسعاره بوتيرة متسارعة جعلت اقتناءه أشبه بقرار مصيري. فأمام واجهات محال الصاغة، يتكرّر المشهد: وجوه شابة يكسوها التردد، وعيون معلقة بشاشات أسعار لا تكفّ عن القفز، في انعكاس مباشر لاضطراب السوق.

خلال الأسابيع الأخيرة، بات المعدن الأصفر يشكل عبئاً ثقيلاً، لاسيما مع ارتفاع تكاليف "الشبكة" التي يُفترض أن تمثل رمزاً لبداية الحياة الزوجية. موحداً في الغالب: "اللي سعره طلع.. ما بينزلش". بين حلم تأسيس حياة مستقرة وتكاليف تبدأ من خاتم ذهبي، يجد آلاف الشباب أنفسهم عالقين بين تقلبات الأرقام وضغوط الواقع الاقتصادي.

جمود حركة البيع

سجّل الذهب ارتفاعات حادة على الصعيدين العالمي والمحلي خلال الأسابيع الأخيرة، وسط تقلبات عنيفة عززت حالة الترقب في الأسواق. فعالمياً، قفز سعر الأونصة بأكثر من 20% منذ مطلع يناير ليبلغ ذروته عند 5500 دولار، قبل أن يتراجع في نهاية الشهر إلى مستوى 4964 دولاراً، ما يعكس موجة تذبذب قوية في الأسواق العالمية.

محلياً، شهد سعر غرام الذهب عيار 21 –وهو الأكثر تداولاً في مصر– ارتفاعاً حاداً خلال يناير، بلغ نحو 27%، أي ما يعادل 1600 جنيه، ليصل إلى 7500 جنيه (ما يعادل 160.5 دولار)، قبل أن يتراجع مجدداً نهاية الأسبوع الماضي إلى نحو 6660 جنيهاً.

هذا التذبذب السعري السريع تسبّب في تجميد حركة البيع في سوق الذهب المصرية، وسط حالة من الترقب والقلق لدى المستهلكين.

التكيف مع قدرات الزبائن

إن ما يحدث في سوق "الشبكة" ليس تغييراً ثقافياً بقدر ما هو تكيف اقتصادي مع الواقع الجديد. إن "الشبكة" كانت تشمل في السابق خاتماً ومحبساً و"دبلة"، إلى جانب "انسيال" و"كوليه"، وقد يصل وزنها إلى أكثر من 100 غرام، وثمنها نحو 700 ألف جنيه، وهو رقم بات خارج قدرات الغالبية من الشباب المقبلين على الزواج.

كما أن التجار استجابوا لهذه المستجدات عبر تصميم أطقم "شبكة" خفيفة جداً، تقتصر على "دبلة" و"محبس" وخاتم لا يتجاوز مجموع أوزانها 3 غرامات، بأسعار تبدأ من نحو 20 ألف جنيه، مع تزايد الاعتماد على الذهب عيار 18 بدلاً من عيار 21.

كما تم تقليص أوزان "الأنسيالات" و"الغوايش" و"الكوليهات" إلى نحو غرامين فقط، بدلاً من 20 غراماً في السابق، لتتراوح تكلفة طقم "الشبكة" الكامل حالياً بين 20 إلى 50 ألف جنيه.

في أحد محال الصاغة بشارع المأمون في الجيزة، يعبّر عبد الرحمن محمد –الشاب الثلاثيني– عن إحباطه من تقلب الأسعار. وقال لـ"الشرق": "ندمت لأني أخّرت شراء الشبكة، السعر زاد حوالي 2000 جنيه للغرام في شهرين". هذا الارتفاع دفعه لتعديل الاتفاق مع عائلة العروس، والاكتفاء بشراء 6 غرامات فقط بدلاً من 10، مع الاستغناء عن "المحبس".

لا تغيير في الاتجاه العام

يوضح ناجي فرج، الخبير بأسواق الذهب والمجوهرات في مصر، أن أسعار الذهب سجلت تراجعات ملحوظة بعد موجة ارتفاعات قوية خلال الأيام الماضية، نتيجة عمليات جني أرباح طبيعية عقب صعود سريع وغير مسبوق. لكنه اعتبر أن هذه التراجعات لا تعني تغير الاتجاه العام، بل تمثل استراحة مؤقتة للأسعار، في ظل استمرار العوامل الداعمة لارتفاع الذهب، وعلى رأسها التوترات الجيوسياسية العالمية، والحروب والأزمات الدولية، وحالة عدم اليقين المرتبطة بالاقتصاد العالمي والسياسات التجارية الأميركية.

وأشار إلى أن التراجعات الحالية تمثل فرصة جيدة للشراء على المدى المتوسط والطويل، لافتاً إلى أن وصول الأونصة إلى مستوى 6000 دولار لم يعد سيناريو بعيداً.

محلياً، أوضح أن الطلب على السبائك والجنيهات الذهبية يشهد ضغطاً قوياً، في حين تظل حركة بيع وشراء المشغولات الذهبية متوسطة إلى ضعيفة، خاصة في مناسبات الزواج. ووفق أحدث بيانات مجلس الذهب العالمي، انخفضت مشتريات المصريين من الذهب 10% خلال 2025 إلى 45.1 طن، بسبب تراجع مشتريات المشغولات الذهبية بنحو 18% إلى 21.5 طن.

صناديق الاستثمار في الذهب

لم يعد الإقبال على الذهب مقتصراً على محال الصاغة، إذ جذبت صناديق الاستثمار في المعدن الأصفر شريحة متزايدة من المستهلكين الباحثين عن بدائل أقل كلفة وأكثر مرونة. وقال أحمد أبو السعد، الرئيس التنفيذي لشركة "أزيموت مصر"، إن الإقبال على الاستثمار في صندوق الذهب "أزيموت" شهد نمواً أسبوعياً يتراوح من 5% إلى 7% خلال يناير 2026.

وأضاف أن إجمالي قيمة طلبات الاستثمار لدى الشركة في الشهر نفسه تجاوزت 500 مليون جنيه، وأن حجم الصندوق ارتفع من نحو 900 مليون جنيه بنهاية 2024 إلى ما يقارب 4 مليارات جنيه حالياً، مع تضاعف حجم التعاملات عليه.

عروض محدودة

تسببت القفزات السعرية الأخيرة في لجوء محال الصاغة إلى تقديم عروض محدودة، من بينها تخفيض "المصنعية" على بيع المشغولات الذهبية، بحسب نادي نجيب، السكرتير السابق لشعبة الذهب. وأوضح أن بعض المحلات تبيع الذهب المستعمل بسعر أقل من سعر السوق بهدف تحفيز المبيعات والتسهيل على الشباب المقبلين على الزواج.

الإقبال على سبائك الذهب

في توجهٍ معاكس، سجلت مشتريات السبائك بغرض الاستثمار ارتفاعاً يقارب 60% خلال يناير الجاري مقارنة بالشهر نفسه من 2025، وفق أمير رزق، عضو شعبة الذهب، الذي أشار إلى أن العروض الحالية غير مجزية، وتكون بغرض جذب المشترين فقط، في ظل زيادات سعرية تقارب 1200 جنيه خلال أقل من شهر.

في منطقة شبرا الخيمة، قال شاب مصري في نهاية العشرينات، فضّل عدم ذكر اسمه، إنه اتفق مع أهل عروسه على شراء "دبلة" فقط عيار 18، واستعارة مجوهرات أخته الكبرى في ليلة الزفاف "للسترة"، مؤكداً أن هذه الفكرة باتت شائعة بين أصدقائه.

في النهاية، لم يعد الذهب مجرد زينة، بل أصبح اختباراً لقدرة الشباب على مواجهة تضخم الأسعار وأعباء الحياة، بين تقليص أطقم "الشبكة"، واللجوء للاستعارة، أو التوجه للاستثمار في السبائك، وسط تقلبات السوقين العالمية والمحلية.

حمل تطبيق eDahab

ابق على اطلاع بآخر أسعار الذهب والعملات على جهازك المحمول.

Download eDahab from play store Download eDahab from app store