بنوك مصر تطارد ودائع الجنيه مع ارتفاع الطلب على القروض

بنوك مصر تطارد ودائع الجنيه مع ارتفاع الطلب على القروض

التاريخ 2026-06-29 16:53:21
المصدر: الشرق مع بلومبيرج

تشهد مصر منافسة غير مألوفة بين البنوك لجذب مزيد من الودائع بالجنيه، وهو ما دفع عدداً من المصارف الحكومية والخاصة إلى رفع أسعار الفائدة لتعزيز قاعدة الودائع.

وأرجع عدد من المصرفيين الذين تحدثوا لـ "الشرق بلومبرغ" هذه المنافسة إلى زيادة الطلب على التمويل المحلي وسط تباطؤ في نمو الودائع ومعدلات الادخار، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبة القروض إلى الودائع إلى مستويات لم يشهدها القطاع المصرفي منذ سنوات، لدرجة أصبح معها العمل على جذب الودائع بمثابة "الشغل الشاغل" للجميع، بحسب نائب رئيس أحد البنوك الخليجية العاملة في البلاد.

دفعت هذه المنافسة بنوكاً حكومية وخاصة إلى طرح أوعية ادخارية جديدة بعوائد وصلت هذا الشهر إلى نحو 19.5%، أي أعلى من سعر الفائدة الرئيسي للبنك المركزي بنصف نقطة مئوية، في محاولة لتوفير تمويل مستقر بالجنيه.

يأتي ذلك مع توسع البنوك في تقديم تسهيلات ائتمانية للقطاع الخاص والأفراد، في تحول مهم لقطاع مصرفي اعتاد توظيف جانب كبير من سيولته في أدوات الدين الحكومية وإقراض الجهات العامة، وهي علاقة وصفها "صندوق النقد الدولي" العام الماضي، بأنها من أوثق حلقات الترابط بين البنوك والدولة في العالم.

التوسع بالإقراض

يبرز "البنك التجاري الدولي" (CIB)، أكبر بنوك مصر الخاصة، كمثال على هذا الاتجاه المتصاعد، إذ أكد رئيسه التنفيذي هشام عز العرب في مقابلة مع "الشرق بلومبرغ" الشهر الماضي تركيز جهود البنك على تنويع سياسة الإقراض، وهو ما دفع بنسبة القروض إلى الودائع بالجنيه لتقترب من 75%، مضيفاً: "نهدف إلى زيادة الودائع في الفترة المقبلة بما يمكننا من زيادة قدرتنا على التوسع في الإقراض من دون زيادة هذه النسبة".

كما يظهر تحليل نتائج لتسعة بنوك مدرجة بالبورصة أن متوسط نسبة القروض إلى الودائع بلغ ما يقارب الـ 70% خلال الربع الأول، في حين أشار رئيس إدارة الائتمان بأحد البنوك الخاصة في تصريح لـ"الشرق بلومبرغ" إلى أن النسبة في القطاع المصرفي بشكل عام تبلغ حالياً نحو 72%.

تبدو هذه الأرقام منخفضة إلى حد كبير مقارنة بالقطاع البنكي في دول الخليج مثلاً، والتي قد تتخطى نسبة القروض إلى الودائع في عدد منها حاجز الـ 100%، لكنها تبقى أعلى بكثير من المستويات التي اعتادت البنوك المصرية على التعامل معها، والتي تراوحت لسنوات بين 45% و55%.

الخبير المصرفي محمد عبدالعال قال لـ"الشرق بلومبرغ" إن ربط العملات الخليجية بالدولار وعدم اتكال الحكومات على البنوك المحلية للتمويل يتيح لها توفير مصادر تمويل أكثر تنوعاً مثل اللجوء لأسواق السندات الدولية، بفضل تمتعها بتصنيفات ائتمانية قوية.

وأضاف أن البنوك المصرية تتبع سياسات أكثر تحفظاً، وحرصت لسنوات على ألا تزيد نسب توظيف الودائع عن 50% بهدف التحوّط لأي مخاطر محتملة.

بيئة مواتية للإقراض

يتزامن نمو الطلب على الائتمان مع بداية تعافي الاقتصاد المصري من الأزمة المالية الخانقة التي أعقبت الحرب الروسية على أوكرانيا والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بعد أن ساهم اتفاق مع "صندوق النقد" في تعبئة حزمة قروض واستثمارات عالمية قدرتها "بلومبرغ" بأكثر من 50 مليار دولار مع بداية 2024.

ورغم تأثير الصراع الأميركي-الإيراني على أسواق المنطقة، يستمر الاقتصاد المصري في تسجيل معدلات نمو قوية تقارب الـ 5%، مع ارتفاع احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية إلى مستوى قياسي هذا العام.

ويقول محمد أبو باشا رئيس قسم تحليل الاقتصاد الكلي لدي بنك الاستثمار "إي إف جي هيرميس" إن ارتفاع معدل توظيف الودائع يأتي وسط بيئة مواتية للإقراض تشجعها عوامل مثل النمو الاقتصادي وتوافر العملة الصعبة وتراجع أسعار الفائدة.

وكان البنك المركزي قد خفض أسعار الفائدة الرئيسية بنسبة 500 نقطة أساس في 2025 مع تراجع معدلات التضخم عن المستويات القياسية التي وصلت إليها عام 2024، بعد تخفيض قيمة العملة ضمن اتفاق مصر مع "صندوق النقد".

تغير نمط الاستهلاك والتمويل

ساهم تغيّر نمط الاستهلاك والتمويل خصوصاً بعد جائحة كورونا في زيادة الطلب، خصوصاً مع توسع استخدام بطاقات الائتمان وثقافة "اشتري الآن وادفع لاحقاً"، وفق محلل مصرفي بأحد بيوت الاستثمار الأجنبية.

وقال في حديث لـ "الشرق بلومبرغ" إن "مصر بعد كورونا غير مصر قبل الجائحة. أنظر إلى معدلات التمويل الاستهلاكي... أنظر إلى الأرقام لتعلم ما أتحدث عنه".

ولا يقتصر تنامي الطلب على الائتمان على البنوك. فقد بلغت أرصدة محافظ التمويل غير المصرفي نحو 417 مليار جنيه بنهاية 2025، فيما وصلت التمويلات التراكمية التي منحتها جهات هذا القطاع إلى نحو 1.4 تريليون جنيه، بما يعادل قرابة 54% من إجمالي التمويل المقدم من القطاع المالي المصري للقطاع الخاص والأفراد.

وفي حين تمتلك البنوك نحو 90% من إجمالي أصول القطاع المالي في مصر بحسب بيانات "صندوق النقد"، فإن سرعة نمو شركات التمويل غير المصرفي قد تفسر جانباً آخر من سعي البنوك إلى التوسع في الإقراض.

ليست بلا تكلفة

غير أن المنافسة على اجتذاب الودائع ليست سهلة أو بلا تكلفة. إذ تعاني مصر من تراجع حاد في معدلات الادخار، والذي سجل أدنى مستوياته عند 1.2% من حجم الاقتصاد في 2024-2025، بحسب تقرير حديث صادر عن "المعهد القومي للتخطيط".

وأرجع التقرير التراجع إلى نقص أدوات الادخار طويلة الأجل، وامتصاص مشروعات البنية التحتية الضخمة للمدخرات، واختلال توزيع الدخل وارتفاع معدل التضخم.

ومن ناحية أخرى، يؤدي رفع البنوك للفوائد على الودائع إلى زيادة تكلفة الاقتراض، وهو ما أوضحه نائب رئيس أحد البنوك الخاصة، إذ قال لـ"الشرق بلومبرغ" إن مصرفه نجح في خفض نسبة القروض إلى الودائع من 85% بنهاية 2025، إلى نحو 75% بنهاية الربع الأول من العام الجاري بعد التوسع في طرح شهادات ادخارية بعائد مرتفع. لكن ذلك جاء بالتوازي مع زيادة هوامش العمولات على القروض للحفاظ على ربحية البنك في ظل ارتفاع تكلفة الأموال.

ويتفق مصرفي آخر مع هذا التقييم، مضيفاً أن المستوى الحالي لتوظيف الودائع يقلّص من قدرة البنوك على منح قروض كبيرة بصورة منفردة، ويدفعها بشكل أكبر نحو القروض المشتركة بحصص محدودة.

حمل تطبيق eDahab

ابق على اطلاع بآخر أسعار الذهب والعملات على جهازك المحمول.

Download eDahab from play store Download eDahab from app store