«الذهب الحائر».. هل ينحاز لكفة الحرب والنفط أم لمعادلة الفائدة والتضخم؟
الذهب عالق في «معادلة صفرية».. بين ملاذ الحرب وضغوط الفائدة
يجد الذهب نفسه اليوم في قلب «معادلة صفرية» معقدة؛ فبينما تدفعه نيران الحروب والتوترات الجيوسياسية نحو الأعلى كملاذ آمن، تجذبه مخاوف التضخم وارتفاع أسعار النفط إلى الأسفل عبر بوابة السياسة النقدية المتشددة.
وفي رقصةٍ محفوفةٍ بالمخاطر، يقف الذهب فوق رمالٍ متحركة، عالقاً في معادلة لا تعرف الرحمة، حيث تتقاذفه التوترات الجيوسياسية نحو قمم الملاذ الآمن، بينما تضغط عليه مخاوف التضخم وارتفاع أسعار الفائدة نحو التراجع.
وفي هذه المساحة الضيقة، المحصورة بين 3,950 و4,150 دولاراً للأونصة، يرفض المعدن الأصفر الانصياع لتوقعات الانهيار أو الانطلاق في موجة صعود قوية، ليبقى في حالة ترقب تعكس توازناً هشاً بين العوامل المتعارضة.
أولاً: النفط والتوترات الجيوسياسية.. عندما يخذل التضخم الملاذ الآمن
في الظروف الطبيعية، يؤدي تصاعد التوترات العسكرية، مثل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى زيادة الطلب على الذهب باعتباره ملاذاً آمناً، خاصة مع تجاوز خام برنت مستوى 90 دولاراً للبرميل.
لكن هذه المرة، جاء ارتفاع النفط مصحوباً بمخاوف من عودة التضخم، وهو ما دفع الأسواق إلى الاعتقاد بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يضطر للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي حدّ من مكاسب الذهب.
وبذلك، تحولت العلاقة التقليدية؛ فبدلاً من أن يستفيد الذهب بالكامل من تصاعد المخاطر، أصبح ارتفاع أسعار الطاقة يمثل عاملاً ضاغطاً عليه بسبب انعكاساته على السياسة النقدية.
ثانياً: أسعار الفائدة.. الخصم الأكبر للذهب
لا تزال توقعات أسعار الفائدة تمثل العامل الأكثر تأثيراً في حركة الذهب، لعدة أسباب أبرزها:
- ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية يزيد من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، باعتباره أصلاً لا يدر عائداً.
- استمرار رهانات الأسواق على بقاء الفائدة مرتفعة يقلل من جاذبية المعدن النفيس مقارنة بالأصول المدرة للعائد.
وتشير تسعيرات الأسواق إلى احتمال يبلغ 85.6% لتثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع 29 يوليو، مع استمرار احتمالات تبني الفيدرالي لهجة أكثر تشدداً في الاجتماعات اللاحقة إذا استمرت أسعار النفط في تغذية التضخم.
توازن هش بين الحرب والسياسة النقدية
حتى الآن، لا يتحرك الذهب في اتجاه واضح، بل يظل عالقاً بين قوتين متعارضتين:
- إذا هدأت التوترات وتراجعت أسعار النفط، فقد تنخفض توقعات التضخم، وهو ما قد يخفف الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي ويدعم الذهب.
- أما إذا استمر التصعيد في مضيق هرمز وواصل النفط ارتفاعه، فقد تبقى أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، مما يحد من قدرة الذهب على تحقيق مكاسب قوية.
نطاق التداول الحالي
يتحرك الذهب حالياً داخل نطاق ضيق بين:
- الدعم: 3,950 دولاراً للأونصة.
- المقاومة: 4,150 دولاراً للأونصة.
ويرى محللون أن استمرار التداول داخل هذا النطاق يعكس حالة من الترقب، في انتظار محفز قوي قادر على دفع الأسعار إلى الخروج من هذا المسار العرضي.
الأسواق تترقب الإشارات المقبلة
تزداد المخاوف من أن تؤدي صدمات الطاقة المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية إلى تأجيل أي تيسير في السياسة النقدية العالمية.
وفي المقابل، لا يزال الذهب يحتفظ بجاذبيته كأداة للتحوط من المخاطر، إلا أن ارتفاع أسعار الفائدة يحد من قدرته على تحقيق صعود قوي.
كما تشير عقود الأموال الفيدرالية، وفق أداة FedWatch التابعة لمجموعة CME، إلى أن الأسواق تتوقع بنسبة 85.6% تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل، مقارنة بـ61.5% قبل شهر، ما يعكس تغيراً واضحاً في توقعات المستثمرين.
وبشكل عام، يبقى الذهب في مرحلة «انتظار وترقب»، مع استمرار إعادة تقييم المستثمرين لموازين القوى بين المخاطر الجيوسياسية، والتضخم، ومسار السياسة النقدية، في انتظار تطورات جديدة قد تدفع الأسعار إلى كسر نطاقها الحالي.