لماذا لجأت مصر إلى رفع أسعار الكهرباء؟
زيادات الكهرباء في مصر بين ضغوط المعيشة وارتفاع تكلفة الإنتاج
"الزيادات الجديدة في أسعار الكهرباء ستفرض ضغوطاً إضافية على ميزانية أسرتي، في وقت لم تعد الزيادة في الدخل تواكب الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة"، هكذا عبّر أحمد سيد، الموظف الإداري بإحدى الجهات الحكومية في مصر، عن الزيادات الأخيرة في تعريفة كهرباء المنازل.
وأضاف أنه يعول ابنتين، وأن أي زيادة في فاتورة الكهرباء ستدفعه إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الأسري للحفاظ على توازن ميزانية الأسرة في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.
أحمد لا يمثل حالة فردية، بل يعكس شريحة واسعة من الأسر التي ترى أن الزيادات المتتالية في أسعار الخدمات الأساسية باتت تفوق قدرة دخولها على الاستيعاب، حتى مع أي زيادات في الأجور، وهو ما أعاد الجدل حول أسباب تحريك أسعار الكهرباء ومدى استمرار هذه السياسة خلال الفترة المقبلة.
رفعت مصر، أمس الجمعة، أسعار الكهرباء للاستخدامات المنزلية بمتوسط 12% لجميع الشرائح، باستثناء الشريحة الأولى التي يتراوح استهلاكها بين 0 و50 كيلوواط/ساعة شهرياً، حيث تقرر تثبيت سعرها مراعاةً للأبعاد الاجتماعية.
وجاء القرار في وقت أعادت فيه حرب إيران تسليط الضوء على فاتورة استيراد الطاقة بوصفها نقطة الضعف الأبرز في الاقتصاد المصري، بعد أن تسبب الصراع في ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً. ورغم أن تحويلات المصريين في الخارج، ودخل مصر من السياحة، وإيرادات قناة السويس ساعدت في تخفيف العبء على موارد مصر الدولارية، فإن تجدد التصعيد العسكري خلال الأسابيع الماضية بدد التفاؤل بقرب انتهاء الأزمة.
دعم الكهرباء مستمر رغم الزيادة
تؤكد الحكومة أن الزيادة الأخيرة لا تعني انتهاء دعم الكهرباء، إذ قال وزير الكهرباء والطاقة المتجددة في مصر محمود عصمت لـ"الشرق بلومبرغ" إن الدولة ستواصل دعم أسعار الكهرباء خلال السنوات المقبلة لحين تجاوز الظروف الاقتصادية الحالية، موضحاً أن الحكومة لا تزال تتحمل أكثر من 100 مليار جنيه سنوياً تمثل الفارق بين التكلفة الفعلية لإنتاج الكهرباء وسعر بيعها للمستهلكين.
وتزامن ذلك مع رفع مخصصات دعم الكهرباء في موازنة العام المالي 2026-2027 بنسبة 33% لتصل إلى 100 مليار جنيه، مقابل 75 مليار جنيه كانت مستهدفة في العام المالي الماضي.
وأضاف الوزير أن الزيادة الجديدة تُعد أول زيادة فعلية في أسعار شرائح الكهرباء المنزلية منذ عامين، لافتاً إلى أن الحكومة اتخذت قرار زيادة الأسعار منذ بداية يونيو الماضي، مع استمرار تثبيت أسعار الشريحة الأولى التي يستفيد منها نحو 14 مليون مواطن.
وأبقت الحكومة، خلال التعديلات التي أقرتها في أبريل الماضي، على أسعار أول 6 شرائح للاستهلاك المنزلي دون تغيير، بينما رفعت أسعار الشريحة السابعة فقط بنسب تراوحت بين 16% و28%، كما زادت تعريفة الكهرباء للقطاع التجاري بنسب تراوحت بين 20% و91%.
وكانت آخر زيادة شاملة لأسعار الكهرباء المطبقة على مختلف شرائح الاستهلاك المنزلي قد أُقرت في أغسطس 2024، وتراوحت نسبتها بين 14% و40%، قبل أن تقتصر التعديلات اللاحقة على أعلى شريحة مع تثبيت أسعار باقي الشرائح.
وتأتي هذه الزيادات في ظل اتساع الفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع، إذ كشف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في مارس الماضي، أن الدولة تتحمل عجزاً سنوياً يقترب من 500 مليار جنيه في قطاع الكهرباء نتيجة بيع الطاقة بأقل من تكلفتها الفعلية.
كما تستهلك مصر منتجات بترولية بقيمة تقارب تريليون جنيه سنوياً، يذهب نحو 60% منها إلى تشغيل محطات توليد الكهرباء، ما يجعل تكلفة الوقود العامل الأكثر تأثيراً في تكلفة إنتاج الكهرباء.
أسباب ارتفاع تكلفة الإنتاج
بحسب مسؤول بوزارة الكهرباء، تجاوزت تكلفة إنتاج الكيلوواط/ساعة حالياً 3.25 جنيه، مقارنة بنحو 2.23 جنيه في منتصف 2024، أي بزيادة بلغت 46%.
ورغم الزيادات الأخيرة، لا تزال أسعار بيع الكهرباء لمعظم الشرائح دون تكلفة إنتاجها، إذ تتحمل الدولة جزءاً من الفارق، بينما يزداد هذا الفارق مع ارتفاع أسعار الوقود والدولار.
وأرجع المسؤول هذه الزيادة إلى ارتفاع سعر صرف الدولار، وزيادة تكلفة قطع الغيار، إضافة إلى ارتفاع كميات الوقود اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء بنحو 10%، وهو ما انعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج.
وارتفعت مديونيات وزارة الكهرباء المستحقة لوزارة البترول إلى نحو 495 مليار جنيه بنهاية يوليو 2026، مقابل 480 مليار جنيه بنهاية يونيو، بحسب مسؤول حكومي لـ"الشرق بلومبرغ". وأوضح أن وزارة الكهرباء تسحب وقوداً بقيمة تقارب 24 مليار جنيه شهرياً لتشغيل محطات الإنتاج، بينما تسدد في المتوسط نحو 12 مليار جنيه فقط شهرياً لوزارة البترول، ما يساهم في استمرار اتساع حجم المديونية بين الجانبين.
وفي المقابل، أكد مسؤول حكومي ثانٍ لـ"الشرق بلومبرغ" عدم إجراء أي زيادات على أسعار الكهرباء الخاصة بالعدادات الكودية مسبقة الدفع، المستخدمة في الوحدات المخالفة أو غير المرخصة.
ماذا ستفعل مصر بأسعار الوقود؟
لا يبدو أن الكهرباء ستكون آخر محطات تحريك أسعار الطاقة، إذ كشف مسؤول حكومي رفيع المستوى لـ"الشرق بلومبرغ" أن لجنة تسعير المواد البترولية ستجتمع في سبتمبر المقبل لمناقشة إقرار زيادة جديدة من عدمه.
وأضاف المسؤول:
"دعنا لا ننسى أن هناك ارتفاعاً في أسعار النفط العالمية، وزيادة تكلفة استيراد المنتجات البترولية منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فضلاً عن ارتفاع الاستهلاك المحلي، خاصة في قطاع الكهرباء خلال أشهر الصيف، وهو ما وسع الفجوة بين تكلفة الإنتاج والاستيراد وسعر البيع المحلي."
فاتورة وقود محطات الكهرباء تقفز
ارتفعت تكلفة توفير الوقود اللازم لتلبية احتياجات السوق المصرية منذ اندلاع الحرب بأكثر من 15% مقارنة بالسعر المعتمد في الموازنة العامة للدولة عند 75 دولاراً للبرميل، إذ يبلغ متوسط سعر خام برنت حالياً نحو 88 دولاراً للبرميل.
أزمة الطاقة هي المحرك الرئيسي
يرى الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب محمد فؤاد أن المواطن أصبح الطرف الذي يتحمل في النهاية فاتورة أزمة الطاقة، مشيراً إلى أن استمرار ارتفاع تكلفة توفير الغاز والوقود سيدفع الحكومة إلى مواصلة تحريك أسعار الطاقة على مراحل.
وأضاف أن متوسط تكلفة استيراد مليون وحدة حرارية بريطانية من الغاز الطبيعي ارتفع، وفق تقديراته، إلى نحو 10.17 دولار خلال العام الحالي، مقابل 8.61 دولار في العام الماضي، وهو ما ساهم بصورة مباشرة في زيادة تكلفة إنتاج الكهرباء.
ويتفق معه رئيس قسم البحوث بشركة الأهلي فاروس لتداول الأوراق المالية هاني جنينة، الذي يرى أن السبب الرئيسي وراء رفع أسعار الكهرباء يعود إلى صعود متوسط تكلفة الغاز، موضحاً أن قطاع الكهرباء يستهلك نحو 60% من إجمالي استهلاك مصر اليومي من الغاز، والمقدر بنحو 6.5 مليار قدم مكعبة.
وأضاف جنينة أنه خلال النصف الأول من 2026 تراجع إنتاج مصر إلى ما دون 4 مليارات قدم مكعبة يومياً، ما أدى إلى زيادة احتياجات الاستيراد، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي عالمياً وتكاليف الشحن.
وفيما يتعلق بأسعار الوقود، أشار جنينة إلى أن قرار زيادة أسعار الكهرباء لا يرتبط بتحريك أسعار البنزين، لكنه رجح إقرار زيادة في أسعار البنزين في وقت لاحق، حتى لا تتسبب الزيادتان معاً في صدمة تضخمية عنيفة.
دعوات لتأجيل الزيادة
في المقابل، ترى أستاذة الاقتصاد عالية المهدي أن توقيت الزيادة لم يكن مناسباً، وكان من الأفضل تأجيلها إلى نوفمبر، بعد انتهاء ذروة الاستهلاك الصيفي التي تعتمد خلالها الأسر بصورة أكبر على أجهزة التكييف.
وأضافت المهدي أن تأجيل القرار لبضعة أشهر كان سيخفف الضغوط على المواطنين، مشيرة إلى أن غياب المنافسة في قطاع الكهرباء يجعل من الصعب التحقق من التكلفة الفعلية لإنتاج الكيلوواط/ساعة، كما رجحت رفع أسعار البنزين خلال سبتمبر، وهو ما قد يضاعف الأعباء المعيشية على الأسر المصرية.
وبينما تتحدث الحكومة عن فجوة تمويلية بمئات المليارات وارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء والوقود، تنشغل أم محمد، وهي أرملة تعول ثلاثة أبناء وتعتمد على عداد كهرباء بنظام الشرائح، بحسابات أكثر بساطة.
وتقول إنها باتت تراجع استهلاك كل جهاز في المنزل، وتطلب من أبنائها إطفاء الأنوار فور مغادرة الغرف وتقليل تشغيل المروحة والتلفاز، خشية الانتقال إلى شريحة استهلاك أعلى تزيد قيمة الفاتورة.
"أنا مش بفكر أوفّر كهربا.. أنا بفكر أعدّي الشهر من غير ما أستلف."
في مشهد يلخص الفجوة بين أرقام تكلفة الطاقة التي تتحدث عنها الحكومة، وحسابات ملايين الأسر التي تحاول فقط التكيف مع فاتورة معيشة تتزايد شهراً بعد آخر.