الذهب يستعد لجولة صعود جديدة.. المستثمرون يعودون للرهانات والمفاجأة في سبتمبر
عاد المستثمرون المتفائلون بالذهب إلى زيادة رهاناتهم على ارتفاع أسعار المعدن النفيس، مستفيدين من جهود وزارة الخزانة الأمريكية للحد من تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة، مع توجههم في الوقت نفسه إلى استخدام خيارات مالية أكثر تعقيدًا وفروق سعرية للمراهنة على استمرار صعود الذهب.
وأثرت خطة وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت لزيادة مشتريات الوزارة من الديون القائمة التي تتراوح آجال استحقاقها بين 10 و30 عامًا إلى الضعف على الأقل، سلبًا على الدولار، بينما دعمت الذهب وبيتكوين، التي ينظر إليها البعض باعتبارها البديل الرقمي للمعدن النفيس. ودفع تراجع القوة الشرائية للدولار المستثمرين إلى زيادة الإقبال على الأصول الملموسة، لترتفع أسعار الذهب الفورية بنحو 10% خلال أغسطس، لتتجه نحو تسجيل أكبر مكاسب شهرية منذ يناير، حتى بعد التراجع الذي شهدته يوم الجمعة عقب تعهد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش بمكافحة التضخم.
وفي الوقت نفسه، تعرضت مراكز البيع على المكشوف في بيتكوين لضغوط قوية، ما دفع العملة الرقمية إلى تسجيل ارتفاع بنحو 12% منذ 19 أغسطس، لتنهي أخيرًا حالة الركود التي استمرت لأشهر، وتتجاوز لفترة وجيزة مستوى 80 ألف دولار.
وقال أكاش دوشي، الرئيس العالمي لاستراتيجية الذهب والمعادن لدى شركة ستيت ستريت لإدارة الاستثمارات، إن المستثمرين عادوا إلى المراهنة على ارتفاع الذهب، سواء من خلال الطلب على صناديق الاستثمار المتداولة أو عبر سوق المشتقات. وأضاف أن ما يعرف بتداول التحوط من تراجع قيمة العملات كان متوقفًا مؤقتًا لكنه لم يختفِ، وأنه عاد بقوة مع اقتراب سبتمبر.
خيارات أقل تكلفة تعيد إشعال رهانات الذهب ومع ذلك، أصبحت قناعة المستثمرين بصعود الذهب أكثر هدوءًا في الآونة الأخيرة مقارنة ببداية العام، عندما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه غير قلق بشأن تراجع الدولار، وهو ما أشعل موجة صعود قوية للمعدن النفيس.
ويتجه المتداولون حاليًا إلى شراء كميات كبيرة من فروق خيارات الشراء على صندوق إس بي دي آر جولد شيرز، بدلًا من شراء خيارات الشراء المباشرة فقط. كما تحظى الخيارات المالية المعقدة بإقبال متزايد، إذ توفر كلتا الطريقتين تكلفة أقل نسبيًا للمراهنة على استمرار ارتفاع الذهب.
وقال دوشي إن حركة الذهب خلال أغسطس تبدو أكثر انتظامًا بكثير مقارنة بتحركات الأسعار ونشاط المشتقات اللذين شهدهما سوق المعادن النفيسة خلال موجة التقلبات العنيفة التي حدثت في يناير.
وارتفع التقلب الضمني في خيارات الذهب، لكنه لا يزال دون المستويات التي سجلها خلال الربع الأول من العام، كما أصبح ما يعرف بانحراف التقلب، أو العلاوة التي يدفعها المستثمرون مقابل الرهانات الصعودية، أضيق نطاقًا.
وقال نيراج شودري، رئيس تداول الخيارات المعقدة وتدفقات التداول في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لدى بنك أوف أمريكا، والرئيس المشارك لتداول المشتقات الهجينة عالميًا، إن الاختلاف عن بداية العام يتمثل في انخفاض تقلبات الذهب نسبيًا، ما يدفع بعض المستثمرين إلى الاعتقاد بأن الارتفاع المقبل قد يكون أكثر محدودية وأن الأسعار قد تتحرك داخل نطاق معين، مثل نطاق يتراوح بين 4900 و5300 دولار.
رهانات متعددة الأصول تمنح المستثمرين مرونة أكبر ويستخدم المستثمرون أيضًا خيارات ثنائية مزدوجة وغيرها من الخيارات المعقدة للمراهنة على استمرار صعود الذهب، إذ يؤدي اشتراط تحقق شروط معينة في أصل ثانٍ إلى خفض تكلفة الرهان الصعودي على المعدن النفيس.
وبحسب شودري، أصبحت الرهانات التي تجمع بين الذهب وأزواج العملات من الصفقات الشائعة، حيث يستخدم المستثمرون مكون العملات الأجنبية في الصفقة لخفض تكلفة الخيار.
وأوضح أنه على سبيل المثال، لجأ بعض المستثمرين إلى تداولات تجمع بين الذهب والدولار والين الياباني، بحيث يمكن شراء الارتباط عند مستوى قريب من سالب 20%، مع المراهنة على ارتفاع الذهب وارتفاع الدولار في الوقت نفسه.
وأضاف شودري أن السوق شهد أيضًا طلبات لتنفيذ صفقات تجمع بين الذهب والدولار والفرنك السويسري ضمن نطاقات محددة عند حلول موعد الاستحقاق.
كما ظهرت طلبات على خيارات ثنائية ثلاثية، مثل الرهانات التي تجمع بين الذهب والنفط والعملات الأجنبية، وهو ما يمنح المستثمرين قدرًا أكبر من الرافعة المالية على العائد المحتمل مقارنة بمستويات الرافعة التي يستهدفها المستثمرون عادة، والتي تتراوح بين 10 و20 ضعفًا.
##بيتكوين تلحق بالذهب بدعم من تصفية مراكز البيع
ولم يكن الذهب الأصل الوحيد الذي استفاد من ضعف الدولار، إذ تلقت بيتكوين بدورها دفعة قوية من عمليات تغطية مراكز البيع على المكشوف.
وبين 19 أغسطس و21 أغسطس، تمت تصفية مراكز هبوطية على بيتكوين بقيمة تجاوزت 2.5 مليار دولار في العقود الآجلة الدائمة، وفقًا لبيانات شركة كوين جلاس.
وساعدت عمليات التصفية القسرية لهذه المراكز على تحويل موجة الصعود الأولية المدفوعة بعوامل الاقتصاد الكلي إلى اختراق سعري أكثر قوة، كما أعادت تدفقات الأموال إلى صناديق بيتكوين الفورية المدرجة في الولايات المتحدة، والتي اجتذبت أكثر من 2 مليار دولار منذ 19 أغسطس.
ويبقى السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان المستثمرون بدأوا يتعاملون مع بيتكوين بصورة تشبه الذهب، باعتبارها أداة تحوط مستدامة في مواجهة تحركات الاقتصاد الكلي، أم أن موجة الصعود الأخيرة كانت في الأساس نتيجة لتغير مراكز المستثمرين، تضخمت بفعل الرافعة المالية وزخم التداول.
ومع خروج مراكز البيع على المكشوف من السوق وبدء المستثمرين في جني الأرباح، قد تعتمد المرحلة المقبلة من صعود العملة الرقمية بدرجة أقل على عمليات الشراء القسرية، وبدرجة أكبر على استعداد الطلب الفوري الجديد لمواصلة الشراء عند المستويات الحالية.
تصريحات وورش تختبر قدرة الذهب على مواصلة الصعود وفي حين أدى تعهد وورش بمكافحة التضخم خلال اجتماعات جاكسون هول إلى زيادة رهانات الأسواق على رفع أسعار الفائدة، وهو ما أضعف زخم صعود المعادن النفيسة في نهاية الأسبوع، فإن الإقبال على الذهب لا يزال واضحًا بقوة.
وقال جوزيف خوري، رئيس هيكلة مشتقات الأسهم لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لدى بنك أوف أمريكا، إن الخيارات الثنائية المزدوجة المرتبطة بالذهب كانت من أبرز تدفقات التداول خلال الأشهر الماضية، مع استخدام الذهب عادة باعتباره الطرف الصعودي في الصفقات التي تجمع بين فئات مختلفة من الأصول.
وأوضح أن السبب وراء ذلك هو أن حالة الاستثمار في الذهب لا تعتمد على سيناريو واحد فقط على مستوى الاقتصاد الكلي، إذ توجد سيناريوهات متعددة يمكن أن تدفع الذهب إلى الارتفاع.
وبذلك، يجد الذهب دعمًا من مجموعة واسعة من العوامل، تبدأ من المخاوف بشأن القوة الشرائية للدولار وتكاليف الاقتراض، مرورًا بإقبال المستثمرين على الأصول الملموسة، وصولًا إلى استخدام استراتيجيات المشتقات التي تتيح المراهنة على ارتفاع المعدن النفيس بتكاليف أقل وفي ظل سيناريوهات متعددة.
ومع اقتراب سبتمبر، يبدو أن المستثمرين يعيدون بناء مراكزهم الصعودية في الذهب، لكن بصورة أكثر حذرًا وتنظيمًا من موجة الصعود التي شهدها المعدن في بداية العام، مع استمرار مراقبة تحركات أسعار الفائدة والدولار والتضخم بحثًا عن الإشارة التي ستحدد اتجاه الذهب في المرحلة المقبلة.