النفط يضغط على الجنيه المصري.. فمن يتحمل التكلفة؟
ارتفاع النفط وخروج المستثمرين الأجانب يضغطان على الجنيه والموازنة المصرية
تواجه مصر ضغوطاً متزايدة على الجنيه والموازنة العامة مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً، بالتزامن مع تخارج مستثمرين أجانب من أدوات الدين المحلية وتحمل الحكومة تكلفة تثبيت أسعار المحروقات والطاقة حتى نهاية ديسمبر 2026.
وبينما يزيد ارتفاع فاتورة الطاقة احتياجات البلاد من النقد الأجنبي، يظل تمرير الزيادة إلى المستهلكين مرتبطاً بالتوازن بين احتواء الضغوط المالية ومراعاة الأعباء المعيشية.
وتقول نعمة الله شكري، رئيسة قسم البحوث بشركة إتش سي لتداول الأوراق المالية: «إن تخارج المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المصرية بالإضافة إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية ضغط على العملة المحلية مقابل الدولار الأميركي خلال الفترة الماضية».
وخلال تداولات الشهر الحالي، ارتفع سعر الدولار مقابل الجنيه متخطياً حاجز 56 جنيهاً لأول مرة على الإطلاق في البنوك المصرية.
وبلغ متوسط سعر الصرف في البنك المركزي المصري نحو 56.3511 جنيه في نهاية تداولات اليوم، ومنذ بداية الشهر الجاري (أكتوبر 2026) ارتفع متوسط سعر صرف الدولار مقابل الجنيه بنحو 3.9 جنيه، وفقاً لبيانات البنك المركزي المصري.
عجز الطاقة يزيد الضغوط على الدولار
يرى هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في «الأهلي فاروس»، أن ارتفاع تكلفة استيراد النفط والغاز يضغط على ميزان المدفوعات، بعدما تحولت مصر من دولة تتمتع بفوائض في الغاز والبترول إلى مستورد لكميات أكبر من الطاقة.
ويقول جنينة إن عجز الطاقة أسهم في اتساع عجز ميزان المعاملات التجارية خلال العام المالي الماضي، وقد يستمر تأثيره خلال الأشهر الستة الأولى من العام المالي الحالي، بحسب تطورات الأسواق.
واتسع عجز حساب المعاملات الجارية المصري خلال العام المالي 2025-2026 المنتهي في يونيو 2026 إلى 22.5 مليار دولار، مقارنة بـ15.4 مليار دولار، بزيادة تقارب 46%، نتيجة ارتفاع العجز التجاري السلعي بنسبة 27.1% إلى 64.8 مليار دولار، إلى جانب زيادة عجز ميزان دخل الاستثمار بنسبة 33.8% إلى 21.2 مليار دولار.
وارتفع العجز التجاري غير البترولي بنسبة 25.4% إلى 46.6 مليار دولار، مع نمو الواردات غير البترولية بنسبة 16.9% إلى 83.9 مليار دولار، مقابل زيادة الصادرات غير البترولية بنسبة 7.8% إلى 37.3 مليار دولار.
وعلى صعيد التجارة البترولية، ارتفع العجز بنسبة 31.5% إلى 18.3 مليار دولار، نتيجة زيادة الواردات البترولية إلى 24.9 مليار دولار، مدفوعة بارتفاع واردات الغاز الطبيعي بنحو 4.7 مليار دولار والبترول الخام بنحو 1.9 مليار دولار.
مسار سعر الصرف
لكن مسار سعر الصرف لا يتوقف على تكلفة الاستيراد وحدها، إذ يرى جنينة أن تعامل السياسة النقدية مع نمو السيولة بالجنيه عامل أساسي في تحديد مدى استمرار الضغوط، موضحاً أن الحد من نمو السيولة قد يساعد على احتواء انتقال الزيادة في تكلفة الواردات إلى سعر الدولار.
ويشرح ذلك بأن ارتفاع سعر برميل النفط من 60 دولاراً إلى 120 دولاراً يضاعف تكلفة توفيره، لكن تمرير هذه الزيادة إلى المستهلك يتطلب توافر سيولة كافية لديه، وإذا شدد البنك المركزي السياسة النقدية، فقد تحد محدودية السيولة من قدرة المستهلكين على تحمل الزيادة، بما يحد من انتقال الضغوط السعرية.
تثبيت أسعار الوقود يرفع أعباء الموازنة
قررت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية ووزارة البترول والثروة المعدنية في مصر خلال الشهر الحالي تثبيت أسعار الوقود والمنتجات البترولية رسمياً دون أي تعديل حتى نهاية ديسمبر 2026.
يضع تثبيت أسعار المحروقات والطاقة الحكومة أمام خيار تحمل الفرق بين تكلفة الاستيراد وسعر البيع المحلي، أو تمرير جزء من الزيادة إلى المستهلكين.
وترى شكري أن استمرار ارتفاع أسعار النفط مع تثبيت الأسعار قد يزيد عجز الموازنة واحتياجات التمويل خلال العام المالي الحالي.
من جانبه، يقول جنينة إن الحكومة ناقشت ثلاثة خيارات للتعامل مع ارتفاع تكلفة الطاقة، تضمنت تثبيت الأسعار وتحمل التكلفة، أو تمرير الزيادة إلى المستهلك، أو خفض الاستهلاك عبر إجراءات مثل تخفيف الأحمال.
ويشير إلى أن الحكومة لا ترغب في خفض الكميات المتاحة من البنزين والسولار والكهرباء، لارتباطها بالحياة اليومية للمواطنين والنشاط الاقتصادي، لكن استمرار أسعار الطاقة العالمية عند مستويات مرتفعة يزيد تكلفة تأجيل تعديل الأسعار، إذ تنتقل الأعباء إلى المالية العامة بدلاً من اختفائها.
وتتوقع شكري ارتفاع عجز الموازنة المصرية خلال العام المالي الحالي، نتيجة تحملها ارتفاع أسعار النفط العالمية في ظل اتخاذ الحكومة المصرية قراراً بتثبيت أسعار المحروقات وأسعار الطاقة حتى نهاية ديسمبر 2026، «لتسعى الحكومة إلى تدبير التمويلات اللازمة لتحمل فروق أسعار الطاقة من خلال الاقتراض المحلي، بالإضافة إلى استخدام جزء من حصيلة برنامج الطروحات الحكومية الحالي في تمويل عجز الموازنة، إضافة إلى الشريحة الأخيرة من قرض صندوق النقد الدولي».
كان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قال إن الموازنة العامة للدولة بُنيت على سعر 75 دولاراً لبرميل النفط، بينما ارتفعت الأسعار إلى نحو 110 دولارات، ما يفرض أعباء مالية إضافية لتأمين احتياجات البلاد من الوقود والغاز الطبيعي.
زيادة تدريجية محتملة في 2027
يرجح جنينة أن تبدأ الحكومة تحريك أسعار الطاقة ابتداءً من العام المقبل إذا استمرت الضغوط الحالية، ويطرح زيادة لا تتجاوز 10% في المرة الواحدة باعتبارها أحد السيناريوهات الممكنة، مع إعادة تقييم الأوضاع بعد كل خطوة، حيث يستند هذا التصور إلى توزيع الزيادة على مراحل بدلاً من تحميل المستهلك كامل التكلفة دفعة واحدة، مع مراعاة حركة أسعار النفط وسعر الصرف.
ويرى جنينة أن تراجع أسعار النفط واستقرار الدولار قد يحدان من الحاجة إلى زيادات متتالية، ويطرح سيناريو افتراضياً يعود فيه سعر البرميل إلى نطاق 75–80 دولاراً، ويستقر الدولار عند نحو 50 جنيهاً، ما قد يخفف تكلفة الطاقة مقارنة بالمستويات المرتفعة.
ويقدّر جنينة أن نحو 30% من السعر الحالي للبرميل يرجع إلى عوامل تحوط وليس إلى العرض والطلب وحدهما، فتراجع هذه العوامل بالتزامن مع زيادة محلية محدودة قد يقرب أسعار الوقود من مستوى التوازن ويقلص الحاجة إلى دعم إضافي.
تدفقات النقد الأجنبي وتراجع واردات الغاز قد يخففان الضغط
يشير جنينة إلى أن تدفقات السياحة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج توفر مصادر للنقد الأجنبي تساعد على احتواء جزء من الضغوط، كما أن فاتورة استيراد الغاز تتغير موسمياً؛ إذ تبلغ الواردات ذروتها عادة في الربع الثالث مع ارتفاع الطلب خلال الصيف، قبل أن تبدأ في الانخفاض خلال الربع الرابع.
وقد يتيح تراجع واردات الغاز توفير جزء من فاتورة الاستيراد وتوجيه الموارد المتاحة إلى احتياجات أخرى، من بينها استيراد السولار والبنزين، لكن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يحد من أثر هذا التراجع الموسمي، ما يبقي تكلفة الطاقة عاملاً مؤثراً في احتياجات التمويل وسعر الصرف.